آموزش وردپرس
الرئيسية / نادي الفكر / العلاقه بین العلم و الدین / الإيمان بالله في ضوء المذهب العقلي 2

الإيمان بالله في ضوء المذهب العقلي 2

موقف المادّية من هذا الدليل

نشير الآن إلى موقف المادّية من هذا الدليل. إن المادّية الميكانيكية غير مُحرجة في مواجهة هذا الدليل لأنها كما عرفنا تفسّر الحياة والإحساس والفكر بأنّها أشكال من التجميع والتوزيع للأجسام والجسيمات لا أكثر، فلا يحدث من خلالها شيء جديد سوى حركة الأجزاء وفقاً لقوى ميكانيكية.

وأما المادّية الحديثة فهي – لإيمانها بالتطوّر النوعي والكيفي للمادّة من خلال هذه الأشكال – تواجه إحراجاً في هذا الدليل، غير أنها اختارت أسلوباً آخر في تفسير هذا التطوّر الكيفي، توفّق فيه بين القضية الثانية المتقدّمة ورغبتها في الاكتفاء بالمادّة وحدها كتفسير لكلّ تطوّراتها. وهذا الأسلوب هو أن المادّة هي مصدر العطاء وهي التي تموّن عملية التطوّر الكيفي، ولكن لا كما يموّن الفقير المشاريع الرأسمالية لكي يتعارض مع القضية الثانية المتقدّمة، بل إن ذلك يتمّ على أساس أن كلّ أشكال التطوّر ومحتوياته موجودة في المادّة منذ البدء، فالدجاجة موجودة في البيضة والغاز موجود في الماء و هكذا.

أما كيف تكون المادّة في وقت واحد بيضة ودجاجة أو ماء وغازاً؟ فتجيب المادّية الجدلية على ذلك بأنّ هذا تناقض، والتناقض هو قانون الطبيعة العامّ، فكلّ شيء يحتوي على نقيضه (أي ضدّه) في أحشائه وهو في صراع مستمرّ مع هذا النقيض، وبهذا الصراع بين النقيضين ينمو النقيض الداخلي حتى يبرز ويحقّق تحوّلاً في المادّة، كالبيضة تنفجر في لحظة معيّنة ويبرز فرخ الدجاجة من داخلها، وعن هذا الطريق تتكامل المادّة باستمرار لأنّ النقيض الذي يبرز من خلال الصراع يمثّل المستقبل، أي خطوة إلى الأمام.

 

مناقشة الموقف

ونلاحظ على ذلك ما يلي: ماذا تقصد المادّية الحديثة بالضبط من أن الشيء يحتوي على نقيضه أو ضدّه؟ وعلى التحديد أيّ المعاني التالية هو المقصود؟

الاحتمال الأول: أن يراد بذلك أن البيضة وفرخ الدجاجة نقيضان أو ضدّان، وأن البيضة تصنع الفرخ وتسبغ عليه صفات الحياة. أي أن الميت يلد الحيّ ويصنع الحياة، وهذا تماماً كالفقير الذي يموّن المشاريع الرأسمالية يتعارض مع البديهية المتقدّمة.

الاحتمال الثاني: أن يراد بذلك أن البيضة لا تصنع الفرخ بل تبرزه بعد أن كان كامناً فيها لأنّ كلّ شيء يكمن فيه نقيضه، فالبيضة حينما كانت بيضةً هي في الوقت نفسه فرخ دجاجة، كالصورة التي تبدو من جانب بشكل ومن جانب آخر بشكل مختلف.

ومن الواضح أن البيضة إذا كانت في الوقت نفسه فرخ دجاجة فلا توجد هناك أيّ عملية نموّ أو تكامل عندما تصبح البيضة دجاجة، لأنّ كلّ ما وجد الآن كان موجوداً منذ البدء تماماً كالشخص يُخرج نقوده من جيبه فلا يزداد بذلك ثراءً، لأنّ كلّ ما بيده الآن من نقود كان في جيبه، فلكي تكون هناك عملية نموّ وتكامل ويحدث شيء جديد حقاً من خلال تحوّل البيضة إلى دجاجة لابدَّ أن نقول بأنّ البيضة لم تكن دجاجة أو فرخاً، بل كانت مشروع دجاجة أي شيئاً صالحاً لأن يصبح دجاجة، وبهذا تتميّز عن الحجر. فقطعة الحجر لا يمكن أن تكون دجاجة، وأما البيضة فبالإمكان أن تكون دجاجة ضمن شروط وظروف عينة، ومجرّد أن الشيء ممكن لا يعني وقوعه، فإذا أصبحت البيضة دجاجة حقاً فلا يكفي مجرّد الإمكان تفسيراً لذلك.

ومن ناحية أخرى إذا كانت أشكال المادّة ناتجة عن تناقضاتها الداخلية فيجب أن تفسّر تنوّع هذه الأشكال على أساس تنوّع تلك التناقضات الداخلية، فالبيضة لها تناقضاتها الخاصّة التي تختلف عن تناقضات الماء، ولهذا تتمخّض تلك التناقضات عن دجاجة وهذه عن غاز، وهذا افتراض يبدو ميسوراً عندما نتحدّث عن مرحلة متأخّرة من مراحل تنوّع أشكال المادّة، ففي المرحلة التي نواجه فيها بيضةً وماءً يمكننا بسهولة أن نفترض الاختلاف بينهما في تناقضاتهما الداخلية.

ولكن ماذا نقول عن تنوّع أشكال المادّة على مستوى الجسيمات التي تشكّل الوحدات الأساسية في الكون من بروتونات ونترونات وإلكترونات وبروتونات مضادّة وإلكترونات مضادّة وفوتونات؟ فهل اتخذ كلّ جسيم شكلاً خاصّاً من هذه الأشكال على أساس تناقضاته الداخلية، فكان البروتون موجوداً في أحشاء مادّته ثم برز من خلال الحركة والصراع كالدجاجة مع البيضة؟

إذا كنّا نفترض ذلك فكيف نبرّر تنوّع الأشكال التي اتّخذتها تلك الجسيمات؟ مع أن هذا يفترض بمنطق التناقض الداخلي أن تكون تلك الجسيمات متنوّعة مختلفة في تناقضاتها الداخلية أي أنها مختلفة في كيانها الداخلي، ونحن نعلم أن العلم الحديث يتّجه إلى الاعتقاد بوحدة كيان المادّة وأن المحتوى الداخلي للمادّة واحد، وليست الأشكال التي تتخذها إلا حالات متبادلة على محتوى واحد ثابت. ولهذا كان بالإمكان أن يتحوّل البروتون إلى نترون وبالعكس، أي أن يتغيّر شكل الجُسَيم فضلاً عن الذرّة أو الجُزيء مع وحدة المحتوى وثباته، وهذا يعني أن المحتوى واحد في الجميع وإن اختلفت الأشكال، فكيف يمكن أن نفترض أن هذه الأشكال نتجت عن تناقضات داخلية مختلفة؟

إن مثال البيضة والدجاجة نافع لتوضيح هذا الموقف فإنه لكي تتنوّع الأشكال التي تتخذها بيضات عديدة من خلال تناقضاتها الداخلية المفترضة لابدَّ أن تكون متغايرة في تركيبها الداخلي، فبيضة الدجاجة وبيضة الطير تنتجان شكلين متغايرين وهما الدجاجة والطير، وأما إذا كانت البيضتان من نوع واحد كبيضتي دجاجة فلا يمكن أن نفترض أن تناقضاتهما الداخلية تؤدّي إلى شكلين مختلفين.

وهكذا نلاحظ أن تفسير المادّية الحديثة لأشكال المادّة على أساس تناقضاتها الداخلية واتجاه العلم الحديث إلى التأكيد على وحدة المحتوى الداخلي للمادّة يسيران في خطّين متغايرين.

الاحتمال الثالث: أن يراد أن البيضة نفسها تعبّر عن ضدّين أو نقيضين مستقلّين لكلّ منهما وجوده الخاصّ، أحدهما يتمثّل في النطفة التي سببها في داخل البيضة اللقاح، والآخر سائر ما تحتويه البيضة من موادّ، وهذان الضدّان وحّدتهما معركة في داخل قشر البيضة، ومن خلال هذا الصراع برز أحد الضدّين وانتصرت النطفة فتحوّلت البيضة إلى دجاجة. وهذا النوع من الصراع بين الأضداد شيء مألوف في حياة الناس وقديم في تصوّراتهم الاعتيادية فضلاً عن تصوّراتهم الفلسفية.

ولكن لماذا نسمّي هذا التفاعل بين النطفة والمواد الطبيعية المكوّنة للبيضة تناقضاً؟ لماذا نسمّي هذا التفاعل بين البذرة والتربة والهواء تناقضاً؟ لماذا نسمّي التفاعل بين الجنين في رحم أمه وما يستمدّه من غذاء تناقضاً؟ إنها مجرّد تسمية وليست بأفضل من أن يقال إن أحدهما يندمج في الآخر أو يتوحّد فيه.

هَبْ أنا سمّينا ذلك تناقضاً فلن تحلّ المشكلة بذلك ما دمنا نسلّم بأنّ هذا التفاعل الخاصّ بين الضدّين يؤدّي إلى نتيجة أكبر، إلى عملية نموّ إلى شيء جديد يزيد على المجموع العدديّ لهما، فمن أين جاءت هذه الزيادة؟ هل جاءت من الضدّين المتصارعين الفاقدين معاً لها، مع أن فاقد الشيء لا يعطيه؛ بحكم القضية الثانية من القضايا الثلاث المتقدّمة؟

وهل نعرف من الطبيعة مثالاً يكون فيه التضادّ والصراع بين الأضداد عامل تنمية حقّاً؟ وكيف يساهم الضدّ في تنمية ضدّه عن طريق الصراع معه، مع أن هذا الصراع يعني درجة من المقاومة والرفض، وكلّ مقاومة تنقص من طاقة الطرف الآخر على التحرّك والنموّ بدلاً من أن تساعده على ذلك؟ وكلّنا نعرف أن السبّاح إذا تعرّض في سباحته لأمواج مضادّة من الماء فإن هذا سوف يعيقه عن التحرّك إلى درجة كبيرة بدلاً عن أن يكون سبباً في التحرّك. وإذا كان الصراع بين الأضداد ـ بأيّ معنىً كان ـ هو الأساس في تنمية البيضة وتطويرها إلى دجاجة، فأين التنمية التي يؤدّيها الصراع بين الأضداد في تحوّل الماء إلى غاز ثم رجوعه ماءً مرّة أخرى؟

والطبيعة تكشف لنا باستمرار أضداداً يؤدّي التحامها أو اللقاء بينها إلى دمارها معاً، بدلاً عن التطوّر والتكامل. فالبروتون الموجب الذي يشكّل الحجر الأساس في نواة الذرّة ويحمل شحنة موجبة، له بروتون مضادّ سالب, والإلكترون السالب الذي يتحرّك في مدار الذرّة له الكترون مضادّ موجب، وإذا حدث أن التقى أحد هذين الضدّين بضدّه تحدث عمليات إفناء ذرّية تختفي معها معالم المادّة من الوجود بينما تنطلق طاقات وتنتشر في الفضاء.

نخلص من ذلك كلّه إلى أن حركة المادّة بدون تموين وإمداد من خارج لا يمكن أن تحدث تنمية حقيقية وتطوّراً إلى شكل أعلى ودرجة أكثر تركيزاً، فلابدّ لكي تنمو المادّة وترتفع إلى مستويات عُليا كالحياة والإحساس والتفكير، من ربّ يتمتّع بتلك الخصائص ليستطيع أن يمنحها للمادّة، وليس دور المادّة في عمليات النموّ هذه إلا دور الصلاحية والتهيّؤ والإمكان، دور الطفل الصالح والمتهيّئ لتقبّل الدرس من مربّيه. السید کمال الحیدری

عن Sahba

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *